الغزالي
115
إحياء علوم الدين
فلا تطلب فيه إلا إمساكه لحاجة محتاج أو بذله لحاجة محتاج ، ولا يترجح عندك البذل على الإمساك . فكل قلب صار كذلك ، فقد أتى الله سليما عن هذا المقام خاصة . ويجب أن يكون سليما عن سائر الأخلاق ، حتى لا يكون له علاقة بشيء مما يتعلق بالدنيا ، حتى ترتحل النفس عن الدنيا منقطعة العلائق منها ، غير ملتفتة إليها ، ولا متشوقة إلى أسبابها . فعند ذلك ترجع إلى ربها رجوع النفس المطمئنة ، راضية مرضية ، داخلة في زمرة عباد الله المقربين . من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، وحسن أولئك رفيقا ولما كان الوسط الحقيقي بين الطرفين في غاية الغموض ، بل هو أدق من الشعر ، وأحد من السيف ، فلا جرم من استوى على هذا الصراط المستقيم في الدنيا ، جاز على مثل هذا الصراط في الآخرة . وقلما ينفك العبد من ميل عن الصراط المستقيم ، أعنى الوسط ، حتى لا يميل إلى أحد الجانبين ، فيكون قلبه متعلقا بالجانب الذي مال إليه . ولذلك لا ينفك عن عذاب ما ، واجتياز على النار ، وإن كان مثل البرق . قال الله تعالى * ( وإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا ) * « 1 » أي الذين كان قربهم إلى الصراط المستقيم أكثر من بعدهم عنه . ولأجل عسر الاستقامة ، وجب على كل عبد أن يدعو الله تعالى في كل يوم سبع عشرة مرة ، في قوله اهدنا الصراط المستقيم ، إذ وجب قراءة الفاتحة في كل ركعة فقد روى أن بعضهم رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام ، فقال قد قلت يا رسول الله شيبتني هود ، فلم قلت ذلك ؟ فقال عليه السلام لقوله تعالى * ( فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ) * « 2 » فالاستقامة على سواء السبيل في غاية الغموض . ولكن ينبغي أن يجتهد الإنسان في القرب من الاستقامة إن لم يقدر على حقيقتها . فكل من أراد النجاة فلا نجاة له إلا بالعمل الصالح ولا تصدر الأعمال الصالحة إلا عن الأخلاق الحسنة . فليتفقد كل عبد صفاته وأخلاقه ، وليعددها ، وليشتغل بعلاج واحد واحد فيها على الترتيب ، فنسأل الله الكريم أن يجعلنا من المتقين بيان الطريق الذي يعرف به الإنسان عيوب نفسه اعلم أن الله عز وجل إذا أراد بعبد خيرا ، بصره بعيوب نفسه . فمن كانت بصيرته نافذة
--> « 1 » مريم : 71 « 2 » هود : 12